تأمل قَولَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾، يعني عن نكاح الإماء، مع خشية العنت!
وما ذلك إلا لما يريده الله تعالى بعباده من الرفعة، والكرامة، وعلو الهمة، فإنَّ من تزوج أمةً صار أولاده منها عبيدًا، وكان لهم من الضِّعةِ والمهانة نصيبًا، ومن الذلِّ والضعفِ حظًّا موفورًا.
وأَنَّى لمثل هؤلاء النجابةُ؟
ومن أين يأتيهم الشرفُ؟ وكيف تكون لهم الأنفةُ وهم يرسفون في أغلالِ الرقِّ، ويطوق أعناقهم قيد العبودية؟
وأَنَّى لهم النبوغُ وهو سلعةٌ تباع وتشترى، ولا يملك من أمره نقيرًا؟
وإنما يريد الله تعالى للمؤمنين الكرامة في الدنيا والرفعة الآخرة؛ فعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ»، قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ»[1].
وإياك أن تكون دنيء الهمةِ، ساقط العزيمة، ضعيف الإرادة، وكن رجلًا همته المعالي، يسامي الثريا؛ فما أجمَلَ قول القائل:
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأْتيِ العَزَائِمُ
وَتَأْتي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المكَارِمُ
وَتَعْظُمُ في عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُها
وَتَصْغُرُ في عَيْنِ العَظِيمِ العَظَائِمُ
لأنها مصدر قوة المسلمين، وسبب رُقيهم؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [النساء: 26].
تأمل قَولَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ....... ﴾، وانظر إلى حال أولئك الذين يستنكفون من تطبيق أحكام الشرع، ويعارضونها أشد المعارضة، ويحاربون بكل ما أوتوا من قوة للحيلولة دون تحكيمها في واقع الناس وحياتهم!