الحمد لله ولي من اتقاه، من اعتمد عليه كفاه، ومن لاذ به وقاه، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله ومصطفاه، صلى الله وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته واهتدى بهداه؛ أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: 131 - 134].
أيها المؤمنون:
لا بد من مجالسة الأبناء والتحاور معهم؛ لترسيخ القناعات في عقولهم، فالحوار بديل عمليٌّ لأي توجيه، فبالحوار ترسخ المبادئ، وبالحوار تنجذب النفوس، وبالحوار تتغير العقول، فهذا إبراهيم عليه السلام يتحاور مع ابنه ليُخفف عليه المُصاب، هذا الابن الذي وُلد بعد أن بلغ إبراهيم عليه السلام من الكبر عتيًّا، فيرى في المنام أنه يذبحه، ورؤيا الأنبياء وحيٌ وحقٌّ، لا بد أن يقع: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: 101، 102]، ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: 102] ليختبر صبره وجلَدَه وعزمه على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه، وكان بإمكانه أن يذبحه بلا حوارٍ؛ استجابةً فوريةً للوحي الإلهي؛ فقال إسماعيل عليه السلام: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]؛ لذا حين تتحاور - أيها الأب - مع ابنك تحاوَر معه، ولا تُملِ عليه ما تريده أنت منه، بل حاوِره ليُحلق هو في سماء الأهداف والغايات التي يطمح إليها بنفسه، عاوِنه وساعِده ليخطط لمستقبلٍ مشرق في الدنيا والآخرة، ولا تفرض عليه ما تتمناه أنت كأبٍ ولم تحصده، فلكلِّ واحد منا شخصية تغاير الآخر، وأبواب الخير كثيرة، وأبواب الجنة ثمانية.
صلوا على الحبيب المصطفى خير الورى؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له))، اللهم صلِّ وسلم، وزِد وبارك، وأنعم على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبدالله، وارضَ اللهم عن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا رب العالمين، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمرنا، واجعلهم ظاهرين للحق والهدى والرشاد، اللهم أصلح أحوال المسلمين، وأصلحنا وأصلح ذرياتنا، واجعلهم قرة عين لنا، اللهم أسعِدنا بصلاحهم، اللهم احفظهم بحفظك، اللهم احفظهم من أي مكروه يُصيبهم ومن كل شرٍّ وضرر، اللهم احفظهم من الأسقام والأمراض، اللهم اجعلهم من صالح عبادك وحفظة كتابك، ومن أحسن الناس دينًا وعبادة وأخلاقًا، ومن أسعدهم حياة وأرغدهم عيشة، اللهم أغنِهم بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، رب ارزقهم صحبة الأخيار، وخِصال الأطهار، والتوكل عليك يا قادر يا جبار، ربِّ أبعِد عنهم أمراض القلوب والأبدان، وبلغنا فيهم غاية آمالنا بحولك وقوتك يا كريمُ يا منَّان، اللهم إنا نستودعك أبناءنا فاحفظهم حفظًا يليق بعظمتك، اللهم بارك لنا في أولادنا ووفِّقهم لطاعتك، وارزقنا برهم، اللهم علِّمهم ما جهلوا، وذكِّرهم ما نسوا، وافتح عليهم من بركات السماء والأرض، إنك سميع مجيب الدعوات، اللهم اجعلنا واجعل أبناءنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مُضلين، اللهم جنِّبنا وجنِّبهم الفواحشَ والمِحن، والزلازل والفتن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم سلِّمنا وإياهم من العِلل والآفات، ومن شر الأشرار، آناء الليل وأطراف النهار، واهدِنا جميعًا لما تحبه، واغفر لنا ولهم يا غفار، اللهم لا تزغ قلوبنا وقلوبهم بعد الهداية، وهَب لنا ولهم من لدنك رحمة، وهيئ لنا ولهم من أمرنا وأمرهم رشدًا، اللهم أمدِد في أعمارنا وأعمارهم بالصحة والعافية في طاعتك ورضاك، اللهم نزِّه قلوبنا وقلوبهم عن التعلق بمن هم دونك وما هو دونك، واجعلهم ممن تحبهم ويحبونك، اللهم ارزقنا وإياهم حبك وحب نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وحبَّ كلِّ من يحبك، وحب كل عمل يقربنا ويقربهم إلى حبك، اللهم افتح لنا ولهم أبواب رزقك الحلال من واسع فضلك، واكفِنا وإياهم بحلالك عن حرامك، وأغْنِنا وإياهم بفضلك عمن سواك، اللهم جنِّبنا وإياهم رفقاء السوء، اللهم افتح لنا ولهم فتوح العارفين، اللهم ارزقنا وإياهم الحكمةَ والعلم النافع، وزيِّنا جميعًا بالأخلاق الحميدة، وأكرمنا بالتقوى، وجمِّلنا بالعافية، اللهم اجعلنا وإياهم في حفظك وكنفك، وأمانك وجوارك، وعياذك وحزبك، وحِرزك ولطفك وسترك من كل شيطان وإنس وجانٍّ، وباغٍ وحاسد، ومن شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، إنك على كل شيء قدير، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك، والحمد لله رب العالمين.