الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يُحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أيها الأحبة، إن واقعنا الاقتصادي اليوم يَئِنُّ من آثار الربا والاحتكار والغش والغرر، حتى أصبح كثير من الناس لا يُميز بين الحلال والحرام، ونحن بحاجة إلى عودة صادقة إلى فقه المعاملات في السنة النبوية، وأن نقرأه لا بوصفِه تراثًا فقهيًّا قديمًا، بل بوصفه جانبًا عمليًّا للحياة الاقتصادية المعاصرة.
لقد قدَّمت السنة المطهرة أصولًا عظيمة في التسويق؛ مثل الصدق بدل الخداع، والعدل بدل الاستغلال، والشفافية بدل الغرر، والتكافل بدل الأنانية، والأمانة بدل الطمع، فمن جعل هذه القيم منهجَه في عمله، صار تسويقه عبادة، وربحُه زكاةً، وتجارته دعوةً إلى الله.
يا أصحاب الشركات والمتاجر والمواقع الإلكترونية، اعلَموا أن تسويقكم للمنتجات ليس مجرَّد كسبٍ مادي، بل شهادة أمام الله على أمانتكم، فاحذَروا أن تروِّجوا لما يَضُرُّ الناس في دينهم أو دنياهم، أو أن تُغريهم بما لا يَملِكون.
واعلموا أن الله سائلكم عن كل إعلانٍ كاذبٍ، وكل سلعةٍ مغشوشةٍ، وكل مالٍ أُخذ بغير حقٍّ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع... وعن ماله مِن أين اكتسبَه؟ وفِيمَ أنفَقه؟».
إننا نعيش في عصرٍ أصبحت فيه وسائل التسويق الحديثة - عبر الإنترنت ووسائل التواصل - بابًا واسعًا للخير أو الشر، فمَن استعمَلها في نشر الفضيلة وخدمة المجتمع، وتيسير حاجات الناس، فهو مأجورٌ، ومن جعلها وسيلةً للتضليل ونشر الرذيلة، فهو مأزورٌ.
فلنَربِط بين العلم الشرعي والتقنية الحديثة، ولنجعَل من الاقتصاد الإسلامي نموذجًا للعالم في العدالة والنزاهة، فالمسلم الصادق في عمله اليوم هو خيرُ داعيةٍ إلى الإسلام من ألف خطيب؛ لأن الناس يرون في صدقه وسلوكه حقيقةَ هذا الدين، ولنعلم أن الاقتصاد الإسلامي ليس حلمًا نظريًّا، بل إنه واقعٌ ممكن إذا التزَمنا بالضوابط التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم في البيع والتسويق.
فإذا تحرَّينا الحلال، وتركنا الحرام، وصدَقنا في القول والعمل، أعاد الله لنا بركةَ الرزق والأمن في الأسواق، كما أعاد لأُمتنا عزتها وكرامتها، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2، 3].
اللهم طهِّر أموالنا من الحرام، وبارِك لنا في أرزاقنا، واغْنِنا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم أصلِح تُجَّار المسلمين، ووفِّقهم لما تُحب وترضى، وبارِك في اقتصاد أمتنا بالإيمان والتقوى.
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.