الخطـبة الأولى الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
عباد الله، اعلموا أن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم-، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذنا الله وإياكم من البدع والضلالات والنار، أما بعد:
أيها المؤمنون، روى الإمام الترمذي في سننه (983) بسند حسَّنه العلامة الألباني في صحيح الترمذي، وفي صحيح الترغيب والترهيب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شابٍّ وهو في الموت فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله يا رسول الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف)).
هذا الحديث النبوي الشريف يبين لنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم أهمية أن يجمع المسلم في عبادته لله تعالى بين الخوف والرجاء، وأن المطلوب منه أن يغلب جانب الخوف على الرجاء ما دام في حياته الدنيا، وعندما يأتيه الموت عليه أن يغلب جانب الرجاء على الخوف، والشاب الذي زاره رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه كان يرجو رحمة الله ويخاف من ذنوبه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى سيعطيه ما يرجو، وسيؤمنه مما يخاف، إذا اجتمعت هاتان الحالتان في قلبه عند اقترابه من سكرات الموت.
أيها المؤمنون، نحن في عصر طغت فيه المادة، فقست فيه قلوب كثير من المسلمين، وانتشرت فيه كثير من المعاصي، وتثاقل فيه كثير من المسلمين عن طاعة ربهم، ولعل السبب الأبرز في ذلك ضعف الخوف من الله تعالى في قلوبهم؛ لهذا نحن بحاجة في هذه الخطبة لأن نتحدث عن الخوف من الله تعالى، وعن ثماره، وعن صفات الخائفين.
أيها المؤمنون، الخوف من الله تعالى من منازل السائرين إلى الله تعالى، كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم في كتابه مدارج السالكين، حيث شبه عبادة المسلم لربه سبحانه وتعالى بطائر له رأس وجناحان؛ حيث قال رحمه الله: "فالمحبة هي رأس الطائر، والخوف والرجاء جناحاه، فإذا كان الرأس صحيحًا، والجناحان صحيحين، طار الطائر، وإذا كان الرأس صحيحًا، والجناحان معتلين، لم يطِرْ، وإذا كان الرأس معتلًّا، والجناحان صحيحين، لم يطِرْ أيضًا، الخوف هو السائق إلى الله، وهو الحاجب عن معصيته، وهو الباعث على العمل، وهو الذي يحمل العبد على ترك ما يغضب الله، ويحمله على فعل ما يرضي الله، وهو دليل على حياة القلب، وصلاح النفس، وهو من أجلِّ أعمال القلوب، وهو دليل على الإيمان بالله، وهو علامة على الإخلاص لله".
أيها المؤمنون، ولأهمية الخوف من الله تعالى فقد أثنى الله به على أعظم مخلوقاته؛ وهم الملائكة الكرام، قال الله تعالى عنهم: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [النحل: 50]، ولما في قلوب الملائكة من خوف من الله تعالى، فهم دائمو العبادة لله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾ [الأنبياء: 19، 20]، ومع كثرة تسبيحهم لله تعالى فهم لا يسأمون من ذلك، قال تعالى عنهم: ﴿ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ﴾ [فصلت: 38]، ومع عظم خلقتهم، فإنهم لا يعصون الله أبدًا؛ كما قال تعالى: ﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6].
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن حال الملائكة الخائفين من الله تعالى، وكيف دفعهم الخوف إلى طول السجود بين يدي الله تعالى: روى الإمام أحمد في مسنده والإمام الترمذي في سننه وحسنه الألباني في صحيح الجامع عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أطَّتِ السماء وحُقَّ لها أن تئطَّ، والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد لله...))، وجبريل عليه السلام من أعظم ملائكة الله تعالى، ومع ذلك فقد وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه شديد الخوف من الله تعالى، حتى شبهه بأنه كالحلس (والحلس: البساط الذي يوضع على ظهر الدابة)، وقد بلي من كثرة الاستخدام، أخرج ابن أبي عاصم في كتابه السنة، والطبراني في معجمه الأوسط، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليلة أسري بي مررت على جبريل في الملأ الأعلى كالحلس البالي من خشية الله عز وجل))، فالملائكة شديدو الخوف من الله عز وجل، مع أنهم لا يعصون الله ما أمرهم، فينبغي للمسلم أن يقتدي بهم في خوفه من الله تعالى.
أيها المؤمنون، وسار في طريق الخوف من الله تعالى خيرُ خلق الله أجمعين، وهم الأنبياء والرسل، فما من نبي ولا رسول أرسله الله إلى قومه إلَّا وبلغهم رسالة ربِّه، ولم يخف منهم، ولم يلتفت إلى أذاهم؛ لأنه يخش الله تعالى وحده، والله حسيبه وكافيه، قال تعالى عنهم: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [الأحزاب: 39]، وفي سورة الأنبياء، بعد ذكر الله عددًا من أنبيائه ورُسُله؛ كنوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإدريس، وأيوب، ويونس، وداود، وسليمان، وزكريا، وغيرهم من أنبيائه ورسله، أخبر عن حالهم مع الله بأن خوفهم من الله تعالى دفعهم إلى المسارعة إلى فعل الخيرات، ودعاء الله رغبًا ورهبًا، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: 90]، والذي دفعهم إلى خشية الله والخوف منه، علمهم بالله وبعظمته؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ [فاطر: 28]، وأعلم الناس بالله وأشدهم له خشية هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مع أنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر، وذلك لشدة تعظيمه لله تعالى، وقد ذكر ذلك لأمته، ففي الصحيحين، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية))، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أمته أنهم لو علموا ما يعلمه من عظمة الله تعالى، وشدة أهوال الآخرة، لقلَّ ضحكهم، ولكثر بكاؤهم، ولما استطاعوا أن يستمتعوا بالملذَّات الدنيوية، بل سيكون همهم الآخرة، وسيخرجون إلى الصحراء والطرقات يتضرعون إلى الله تعالى خوفًا من عذاب الله وأليم عقابه، روى الإمام الترمذي في سننه وحسنه الألباني في صحيح الجامع عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((... والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله)). قال أبو ذر: يا ليتني كنت شجرة تعضد!
أيها المؤمنون، الخوف صفة بارزة من صفات المؤمنين لا غنى لهم عنه في سيرهم إلى الله تعالى، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "إن الخوف من المقامات العلية، وهو من لوازم الإيمان، قال تعالى: ﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ [المائدة: 44]، وكلما كان العبد أقرب إلى ربِّه، كان أشد له خشية ممن دونه، وإنما كان خوف المقربين أشد؛ لأنهم يطالبون بما لا يطالب به غيرهم فيراعون تلك المنزلة"، والخائفون من الله تعالى هم أهل الخشية؛ قال تعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ ﴾ [الزمر: 23].
والخائفون من الله تعالى هم أهل القلوب الوجلة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2].
وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم أشد المؤمنين خوفًا من الله تعالى، ولهم في ذلك، أحوال عجيبة جدير بكل مسلم أن يقف عندها، وأن يتأمل فيها، فهذا أبو بكر- رضي الله عنه- فقد كان كثيرَ البكاء من خشية الله تعالى، وكان يُمسك لسانه، ويقول: "هذا الذي أوردني الموارد، وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عودٌ من خشية الله".
وذكر ابن رجب في كتابه التخويف من النار عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "لو نادى منادٍ من السماء: أيها الناس، إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلًا واحدًا لخفت أن أكون أنا هو، وكان في وجهه خطان أسودان من كثرة البكاء من خشية الله، وقد كان يمرُّ بالآية من القرآن الكريم، فتخيفُه، فيبقَى في البيت أيامًا يعوده الصحابة وهم يحسبونه مريضًا، وكان عثمان بن عفان- رضي الله عنه- إذا وقف على القبر يبكي حتى يَبُلَّ لحيته، ويقول: "لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيَّتُهما يُؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيَّتُهما أصيرُ".
وأما علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- فكان يستوحشُ من الدنيا وزهرتِها، ويستأنسُ بالليلِ وظلمتِه، وكان غزير الدمعة، طويل الفكرة، ويبكي بكاء الحزين، وكان يقول: آهٍ آهٍ من قِلَّةِ الزاد، وبُعْدِ السَّفر، ووحْشَةِ الطريق.
أما عبدالله بن عباس- رضي الله عنه- فقد كان في أسفل عينيه مثل الشّراكِ البالي من البكاء، وكان أبو عبيدة- رضي الله عنه- يقول: ودِدْتُ أنِّي كنت كبشًا فيذبحُني أهلي فيأكلون لحمي ويشربون مرقي.
وهذا معاذ بن جبل- رضي الله عنه- لما حضرته الوفاة جعل يبكي، فقيل له: أتبكي وأنت صاحب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنت وأنت؟ فقال: ما أبكي جزعًا من الموتِ أَنْ حلَّ بي، ولا دنيا تركتُها بعدي، ولكنْ هُمَا القبضتان: قبضةٌ في النار، وقبضةٌ في الجنة، فلا أدري في أيِّ القبضتينِ أنا!
أيها المؤمنون، إنه لا يخاف من الله إلَّا من أيقن بوجود الله وبعظمته، وآمن بالجنةِ والنارِ والحساب؛ وروى البزَّار في مسنده بسندٍ مرسلٍ، عن الحارث بن مالك- رضي الله عنه- أنه مَرَّ برسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال له: "كيف أصبحت يا حارثة؟" قال: أصبحتُ مؤمنًا حقًّا، قال: "انظر ما تقولُ إن لكلِّ حقٍّ حقيقة، فما حقيقةُ إيمانِك؟" قال: عزَفَتْ نفسي عن الدنيا وكأنِّي أنظرُ إلى عرشِ ربي بارزًا، وكأنِّي أنظرُ إلى أهلِ الجنةِ يتزاورونَ فيها، وكأنِّي أنظرُ إلى أهلِ النارِ يتضاغَوْنَ فيها، قال: "يا حارثةُ، عرَفَتَ فالزَمْ" قالها ثلاثًا.
أيها المؤمنون، الله تعالى قد يختبر عباده المؤمنين في بعض المواقف، ليعلم من يخافه بالغيب حقًّا، وخوف الله تعالى في مثل هذه المواقف من أعلى درجات الخوف من الله تعالى، فقد ابتلى الله الصحابة بتحريم الصيد أثناء إحرامهم، وزيادة في الاختبار، فقد كانوا يرون الصيد بأعينهم وكان قريبًا منهم وفي متناول أيديهم ورماحهم، ومع ذلك خوفهم من الله تعالى حال بينهم وبين الصيد أثناء الإحرام، وصدق الله القائل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيم ﴾ [المائدة: 94]، وفي عصرنا الحاضر، فُتحت أبواب معاصي الخلوات المرئية والمسموعة على مصراعيها، من خلال الهواتف الحديثة ومواقع النت التي تعرض الفواحش، وتغري المؤمن بها، فإذا ضعف خوف العبد من ربِّه، أدمن على مشاهدة الحرام، وربما تحوَّل إلى داعية إلى ذلك، بأن يدل غيرها على مثل تلك المواقع التي تمزق الإيمان وتدمي القلوب، ولا عاصم للعبد من ذلك إلا خوفه من الله في خلواته، وخشيته بالغيب، حتى ينال مغفرة الله ورحمته، رزقنا الله وإياكم، مخافته، في السر والعلانية، وفي الخلوة والحلوة، إنه سميع مجيب، قلت ما قد سمعتم فاستغفروا الله يا لفوز المستغفرين!