من الحسد وقاء ذاتي وعلاج رباني
لا يتخلَّلُنا الشَّكُّ ذرَّةً في أنَّ للحسد أو العين تأثيرًا على الإنسان؛ في ماله، أو نفسه، أو صحته، أو ولده... إلخ؛ وذلك لأن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((العين حقٌّ)).
وليس مِن السَّفَه أن نصدِّق كلامَ نبيِّنا، كما يدَّعي البعضُ بأن ذلك مما خالفه روحُ العِلم؛ بل هو العِلم ذاته، والفهم ذاته، والإيمانُ كما ينبغي؛ بحسن الاتباع والتصديق.
وقد أَوضَح نبيُّنا الكريم طرُقَ الوقاية والعلاج معًا مِن هذا الداء الذي ابتُلِي به الكثيرُ مِن الناس، وستكون لنا وقفةٌ لاحقًا مع مَن ابتلاه الله بهذا الدَّاء مِن الحاسدين، نقف فيه على طريقةٍ للتخلُّص منه، أو توجيهِه وجْهةَ الخير له وللمسلمين ممن حوله.
لكنَّ لقاءَنا اليومَ سينصَبُّ على المحسودِ، وطرُقِ الوقاية والعلاج؛ الدِّينية، والعِلمية، التي عليه أن يتَّبعها للخلاص مِن هذا الدَّاء.
اعلم أخي القارئ أنَّ الحسد لا يكون كلُّه بغَرَض الشَّرِّ؛ فقد يكون الحاسدُ حاقدًا، وقد يكون محبًّا؛ حسَدَ حبيبَه دون أن يَشعر، وقد يَحْسُد المرءُ نفسَه.
ولذلك؛ فعلى الإنسان إذا أحسَّ بفرحةٍ وفخْرٍ في نفسه أن يقول: (ما شاء الله، لا قوة إلا بالله)، وأن يقولها كذلك إذا شعر به مِن أحدِ أحبابه، أو أثنى عليه مَن يحب، أو رأى شيئًا أَعجَبَه في أحدٍ، أو عند أحدٍ غيره.
وبعدها يضمُّ كفَّيْه على وجهه، ويقرأ الإخلاصَ والمعوِّذتين، والأدعيةَ المأثورة عن النبي الكريم، ومنها: ((أعوذ بكلمات الله التامَّة، مِن كل شيطان وهامَّة، ومِن كل عين لامَّة)) وغيرها، وهي أكثر مِن أنْ تُحصَى، وكلها مذكورة في كتب الرقية الشرعية الصحيحة عن علمائنا الأجلاء، أو الواردة في كتاب "الأذكار" للإمام النووي، أو في "حصن المسلم".
ثم يمسح بهما على وجهه ورأسه، وبعض جسده، وبعد ذلك يَترك حفظَهُ على الله تعالى، وحبذا لو فعل ذلك منفردًا؛ حتى لا يجرح مَن يريد له الخير، وحدَث حسدُه ذلك عن غير قصْد منه.
هذا من جانب العلاج، أما من جانب الوقاية، فنُنبِّه إلى أن المرء المحسود هو مَن يعطِي فرصةً لغيره أن يحسُدَه.
نعم؛ فكما أثبتوا في الدراسات النفسية لأطراف الجريمة: أن نسبةً كبيرةً مِن الجرائم يكون المتسبِّبُ فيها هو الضحيةَ نفْسَه، فكذلك الحسَد كصُورة مصغَّرة؛ فالضحية غالبًا تلفت النظر إليها، وتحب الاستعراض دون مُبرِّر.
وقد نبَّه صلَّى الله عليه وسلَّم على ذلك، فقال: ((استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان))، وهذا الحديث يَعني: أنه لا مانع مِن أنْ تُمارِسَ حياتَك الطبيعية؛ مِن إظهار الخير والنعم التي حَبَاك الله بها، ولا شيء في التحدُّث ببعض هذه النعمة، مع لزوم الحمد والشكر في كل مَقام ومقال.
لكن ليس مِن الطبيعي أنْ تَستفِزَّ هذه الخصلة مِن حاملها الحاسد، فتذكُر لزملائك مثلًا عددَ الساعات التي قضيتَها في المذاكرة، وليس مِن الحكمة أن تذْكُرَ أنك فهمتَ الدَّرس الذي لم يفهموه، وأنه سهل جدًّا، وأنهم هم الأغبياء البُلَداء الذين لا يستطيعون عملَ شيءٍ، وليس مِن العقل أن تَذكر درجاتِكَ التي حصلتَ عليها، ولا عدد الأموال التي جنيتَها مِن صفقة تجارية، ولا تفصيل السعادة الزوجية التي وهبك اللهُ إياها؛ بزوجة صالحة يَطيب معها المعْشَر، وأولاد كرام نُبَهاء، تَقَرُّ بهم العين، وتسمو بهم النفس، أو أنك تنتظر رزقًا، أو بُشرى سارَّةً تأتيك قريبًا، وطبيعة ما تتوقَّعه عندما يمنُّ الله عليك بها.
ليس مِن الحكمة أبدًا أن تذكر كل هذا أو تفصيلاته؛ ناهيك عن أن يكون ذلك لكلِّ مَن هبَّ ودبَّ مِن الجيران والأقارب، البعيد منهم والقريب؛ بل اكتفِ بقول: (الحمد لله على السرَّاء والضرَّاء)، وأنك في نعمة، دون ذكْر تفصيلاتها.
ومن جانب آخر فإنَّ خوف المحسود، ومحاولتَه التَّشَرْنُقَ حوْل نفسِه يزيد الرغبة لا شعوريًّا في الحاسد لِتَتبُّع تفصيلاته، والنَّيْل منه.
فأنتَ حين تخاف مِن الحسد يَلتفت الحاسد لك عن طريق الإشارات التي تُرسلها دون أن تشعُر أنتَ أو هو؛ فعليك أن تستعين بالذكْر والدُّعاء والقرآن، كما قدَّمْنا أعلاه، وأن تحْسِن التصرُّف، ثم تكون على يقين وقناعة بأن الله تعالى يَقيك شرَّ كلِّ حاسد؛ باستعانتك به تعالى، وحُسْنِ اعتقادك فيه، وفي قرآنه، وسُنَّة نبيِّه، ثم بحُسْن تصرُّفك.
وإنْ شعرتَ بأنَّ أحدَهم ينظر إليك نظرةً مُرِيبةً؛ فانظر إليه بقوة دون خوف، واستعذ بالله في وجهه مِن كل شرٍّ، دون أن تخجل أو تخاف مِن إحراجه، وإنْ قال كلمات شعرتَ أنها غير مناسبة، أو لم يقل: (ما شاء الله)، فاطلب منه أن يقولها كما علَّمَنا النبيُّ الكريم، ثم لتقرأ الأذكارَ والقرآن كما أوضحنا.
وأكرِّر بأن عليك ألا تخجل مِن ذلك؛ لأن الحاسد الحاقد يُريد إيذاءَك، فهل في المقابل تخاف على شعوره أنتَ؟! ورُبَّ خلافِ ساعةٍ يزول بعد دقائق، ورُبَّ ضرَرِ عينٍ لا يداويه ألف ساعة.
وقَانا اللهُ وإيَّاكم شرَّ أنفُسِنا، وشرَّ خلْقِه.
lk hgps] ,rhx `hjd ,ugh[ vfhkd