اليوم أظلهم في ظلي (خطبة)-2 الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وسلامًا على عباده الذين اصطفى، أما بعد: عباد الله، عندما تختفي الأخوة والمحبة من حياة الناس فإنه يحل محلها التقاطع
اليوم أظلهم في ظلي (خطبة)-2
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وسلامًا على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
عباد الله، عندما تختفي الأخوة والمحبة من حياة الناس فإنه يحل محلها التقاطع والهجران، ويظهر الحسد، وتمتلئ القلوب بالأحقاد والضغائن، وينعدم الإحساس بحقوق الآخرين، قال تعالى: ï´؟ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ï´¾ [ص: 21 - 23]، أيُّ أنانيةٍ هذه؟! وأيُّ أَثرةٍ هذه؟! يمتلكُ تسعًا وتسعين نعجةً، وبدلًا من أن يتنازلَ لأخيه، عن بعض نعاجه يريد منه أن يأخذ نعجةَ أخيه الوحيدة التي يمتلكها في هذه الحياة، وهكذا هي حياة كثير من الناس اليوم لا يتعامل مع إخوانه إلا وفق مصلحته وما تُمْليه عليه نفسه.
لقد جاء الإسلام ليُهذِّب النفوس ويُربِّيها، ويجعل من الحب والمودة والإخاء شعار المجتمع المسلم وسببًا لسعادته، فما أحوج الأمة اليوم أفرادًا وشعوبًا وحُكَّامًا ومحكومين إلى هذه الأخوة في زمن كثرت فيه المشاكل وتنوَّعت فيه الخلافات على مستوى القطر الواحد؛ بل وبين الدول مع بعضها البعض، بل حتى في المؤسسة الواحدة ويا ليتها كانت خلافات من أجل الدين والحق والقيم العظيمة والتنافس من أجل ازدهار الأمة ورفاهية الشعوب بل كانت من أجل دنيا فانية ولذة عابرة، فما قيمة هذه الأمة التي تملأ شرق الأرض وغربها إذا كانت أوزاعًا متفرقة، وإذا كانت أفرادًا مختلفين، وإذا كانت جماعات متناحرة، وإذا كانت حميات جاهلية وعصبيات مناطقية! إن قوتها حينئذٍ تنعكس وبالًا عليها، ويعتريها الضعف، ويتجرأ عليها العدوُّ، وتنتشر فيها العداوة والبغضاء، قال تعالى: ï´؟ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ï´¾ [المائدة: 14].
عباد الله، فلتكن الإخوة الإيمانية رابطةَ كل مسلم مع إخوانه، وليسعى كل مسلم لجعلها سلوكًا عمليًّا في الحياة يُرضي بها ربَّه ويقوِّي بها صفَّه، ويحفظ بها أُمَّته ومجتمعه ووطنه، وليعفوا بعضنا عن بعض، ولنتراحم ونتعاون فيما بيننا، ولنتذكَّر الأجر والثواب الذي أعَدَّه اللهُ لعباده المؤمنين المتحابِّين فيه، ولنحيي هذه الأخوة في قلوبنا لتحيا في واقعنا وحياتنا. فالأخوة في الله مساحة كبيرة وأرض فسيحة، نباتُها الصدق والإخلاص، وماؤها التواصي بالحق، ونُسمِّيها حُسْن الخُلُق وحارسها الدعاء.
اللهم احفظنا بالإسلام قائمين وقاعدين، ولا تشمِّت بنا الأعداء الحاسدين، وقوِّ إخوتنا، ووحِّد صَفَّنا، وانصُرْنا على من عادانا برحمتك يا أرحم الراحمين.
هذا وصلُّوا وسلِّموا رحمكم الله على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة؛ نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبدالله، فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ï´¾ [الأحزاب:]، والحمد لله رب العالمين.