نقف اليوم لنجري مقارنة بين الصاحب الصالح والصاحب الطالح، بين من يحثُّك على الطاعة وينهاك عن المعصية، وبين من يشجِّعك على المعصية ويبعدك عن الطاعة، ليرى المسلم أهمية مصاحبة الصالحين
نقف اليوم لنجري مقارنة بين الصاحب الصالح والصاحب الطالح، بين من يحثُّك على الطاعة وينهاك عن المعصية، وبين من يشجِّعك على المعصية ويبعدك عن الطاعة، ليرى المسلم أهمية مصاحبة الصالحين وخطورة مصاحبة الطالحين.
وينبغي على كل مسلم أن يجعل نصب عينيه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 27 - 29].
ويتذكر وصية نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم الذي يريد له الخير دائمًا: ((لا تُصَاحِبْ إلَّا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إلَّا تَقِيٌّ)) [1]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَليَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ)) [2].
فتعالوا لنبدأ المقارنة بين الصاحب الصالح والصاحب الطالح في الحياة الدنيا وعند الموت ويوم القيامة:
أما في الحياة الدنيا: فالإنسان إذا صاحب الصالحين المخلصين تعلَّم منهم الإخلاص والكرم والكلام الطيب وحب الخير للآخرين، وإذا دخل صاحبك الصالح إلى بيتك غضَّ بصره، وإذا تناول طعامك دعا لك بالخير والبركة، وإذا خرج من عندك أثنى عليك، وإذا جلس في مجلس ذكرك بخير، وإذا جلس في مجلس وذكرك أحد الجالسين بسوء دافع عنك بشدة طاعة لله ورسوله. صاحبك الصالح إذا رآك على طاعة شجَّعك عليها، وإذا رآك على معصية سترك بثوبه ونهاك عنها وذكرك بالله، هذه هي منافع الصاحب الصالح.
ولذلك يوصي لقمان الحكيم ولده بمصاحبة الصالحين، ويبين له منافع هذه المصاحبة، فيقول: (يا بُني، ليَكُنْ أولُ شيءٍ تَكسِبه - بعد الإيمان بالله - خليلًا صالحًا؛ فإنما الخليل الصالح كمثَلِ النخلة، إن قعَدْتَ في ظِلِّها أظلَّتْكَ، وإن احتطبْتَ من حَطَبِها نفعتْكَ، وإن أكلْتَ من ثمرِها وجدتَه طيبًا)[3].
أما مصاحبة الطالح:
فلا تتعلم منه إلا الرذيل من الكلام، والساقط من الأخلاق، يبعدك عن كل طاعة، ويدفعك إلى كل معصية، وخير دليل من واقعنا، كم من مُصَلٍّ كان يصلي معنا في المسجد ترك الصلاة بسبب أصحاب السوء! وكم من إنسان كان يحترم أمَّه وأباه فترك هذا الاحترام بسبب صاحب السوء! وكم من إنسان كان لا يدخن ولا يشرب الخمر ولا يسهر على المعاصي ففعل هذه الأشياء بسبب أصحاب السوء! كم من إنسان لا يعرف الرشوة وأكل الحرام فتعامل بها بسبب أصحاب السوء! وكم من إنسان لا يعرف معاكسات الجوال فتعلمها وأصبح أستاذًا بها بسبب أصحاب السوء! وكم من امرأة كانت محافظة على الصلاة ومتحجبة وملتزمة تركت كل هذه الأمور بسبب صاحِبات السوء! هذه هي مخاطر رفقة السُّوء تؤدِّي بالإنسان إلى الهلاك والضَّياع في الدنيا والآخرة.
وأما عند الموت: صاحبك الصالح عندما تنام على فراش الموت سيكون معك في اللحظات الأخيرة ليُذكِّرك برحمة الله وأعمالك الصالحة ليجعلك تُحسِن الظن بالله، وإحسان الظن بالله عند طلوع الروح من أفضل الأعمال عند الله عز وجل.
وإذا متَّ قام هذا الأخ الصالح على تغسيلك وتكفينك، وهو الذي سيُصلي عليك ويحث الناس على الصلاة عليك، وهو الذي سيحملك إلى قبرك، وسيبقى يزورك بعد موتك، ويدعو لك بظهر الغيب، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10] هذه هي منافع مصاحبة الصالحين.
أما مصاحبة الطالحين: فإن صاحب السوء الذي قضيت أكثر أوقاتك معه أتدري ماذا سيفعل عند موتك؟ وهذه عن تجربة وأغلبكم شاهد على ذلك، سيتخلَّى عنك حتى في صلاة الجنازة، سينسحب ولا يصلي عليك.
فكم من صديق يحمل جنازة صديقه إلى المسجد ولكنه لا يدخل إلى المسجد ليصلي عليه بل يبقى واقفًا خارج المسجد! بئس الصديق، وبئس الصاحب، فإذا كان هو لا يصلي ولا يدعو لنفسه كيف سيصلي عليك ويدعو لك بالرحمة والمغفرة؟
لذلك ربنا جل جلاله يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
أما يوم القيامة: فإن كل صداقة تقوم على طاعة الله لا تفنى ولا تبلى، بل إن خيرها يمتد من عالم الدنيا إلى يوم القيامة، وكل صداقة تقوم على معصية الله ومخالفة أوامره، لا بقاء لها في الدنيا، وهي يوم القيامة عداوة وشقاق.
واسمع إلى كتاب الله تعالى وهو يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67].
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: خَلِيلَانِ مُؤْمِنَانِ، وَخَلِيلَانِ كَافِرَانِ، فَتُوُفِّيَ أَحَدُ الْمُؤْمِنَيْنِ وَبُشِّرَ بِالْجَنَّةِ فَذَكَرَ خَلِيلَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ، إِنْ فُلَانًا خَلِيلِي كَانَ يَأْمُرُنِي بِطَاعَتِكَ وَطَاعَةِ رَسُولِكَ، وَيَأْمُرُنِي بِالْخَيْرِ وَيَنْهَانِي عَنِ الشَّرِّ، وَيُنْبِئُنِي أَنِّي مُلَاقِيكَ، اللَّهُمَّ فَلَا تُضِلَّهُ بَعْدِي حَتَّى تُرِيَهُ مِثْلَ مَا أَرَيْتَنِي، وَتَرْضَى عَنْهُ كَمَا رَضِيتَ عَنِّي. فَيُقَالُ لَهُ: اذْهَبْ فَلَوْ تَعْلَمُ مَا لَهُ عِنْدِي لَضَحِكْتَ كَثِيرًا وَبَكَيْتَ قَلِيلًا. قَالَ: ثُمَّ يَمُوتُ الْآخَرُ، فَتَجْتَمِعُ أَرْوَاحُهُمَا، فَيُقَالُ: لِيُثْنِ أَحَدُكُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: نِعْمَ الْأَخُ، وَنِعْمَ الصَّاحِبُ، وَنِعْمَ الْخَلِيلُ.
وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْكَافِرَيْنِ، وَبُشِّرَ بِالنَّارِ ذَكَرَ خَلِيلَهُ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ خَلِيلِي فُلَانًا كَانَ يَأْمُرُنِي بِمَعْصِيَتِكَ وَمَعْصِيَةِ رَسُولِكَ، وَيَأْمُرُنِي بِالشَّرِّ وَيَنْهَانِي عَنِ الْخَيْرِ، وَيُخْبِرُنِي أَنِّي غَيْرُ مُلَاقِيكَ، اللَّهُمَّ فَلَا تَهْدِهِ بَعْدِي حَتَّى تُرِيَهُ مِثْلَ مَا أَرَيْتَنِي، وَتَسْخَطَ عَلَيْهِ كَمَا سَخِطْتَ عَلَيَّ. قَالَ: فَيَمُوتُ الْكَافِرُ الْآخَرُ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ أَرْوَاحِهِمَا فَيُقَالُ: لِيُثْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. فَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: بِئْسَ الْأَخُ، وَبِئْسَ الصَّاحِبُ، وَبِئْسَ الْخَلِيلُ[4].
فيا أخي الحبيب، بعد هذه المقارنة بين الصاحب الصالح والصاحب الطالح، مَنْ ستختار؟
أصاحب يعينيك على طاعة ربك، أم صاحب يجرُّك إلى معصية الله؟! أصاحب يُشجِّعك على قراءة القرآن، أم صاحب يجرُّك إلى سماع الأغاني؟! أصاحب يعينك على الصلاة في المساجد أم صاحب يبعدك عن المساجد؟! أصاحب يحذرك من السيئات والمعاصي، أم صاحب يجرُّك إلى تدخين السجائر، وإلى مجالس الغيبة والنميمة، وإلى كل معصية؟!
فأنا أدعو المسلمين جميعًا من خلال هذه المقارنة إلى إعادة النظر في اختيار أصحابهم قبل فوات الأوان، لا بد من اختيار الصديق الصالح قبل أن يأتي اليوم الذي قال الله تعالى عنه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان: 27 - 29]، والعض على اليدين كناية عن شدة الندم والحسرة؛ لأن مما جرت عليه عادة الناس أنه إذا أهَمَّهم أمر صاحبه ندم؛ أن يعضوا على أنامل أصابعهم من أطرافها أو من جانب من جوانب أحد الأصابع، ولكن العض في الآية شامل لليدين، فهو يعض على أجزاء اليدين كلها من الأنامل والأصابع وغيرها، حتى إنه من شدة ما هو فيه من ندم لم يترك جزءًا منها يمكن عضُّه إلا فعل ذلك ندمًا وحسرةً؛ لأنه لم يختر الصاحب الصالح.
وأختم كلامي بنصيحة سيدنا سفيان الثوري (رحمه الله): "وَلْيَكُنْ جَلِيسَكَ مَنْ يُزَهِّدُكَ فِي الدُّنْيَا، وَيُرَغِّبُكَ فِي الْآخِرَةِ، وَإِيَّاكَ وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الدُّنْيَا الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا، فَإِنَّهُمْ يُفْسِدُونَ عَلَيْكَ دِينَكَ وَقَلْبَكَ، وَأَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ، وَأَكْثَرِ الاسْتِغْفَارَ مِمَّا قَدْ سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكَ، وَسَلِ اللهَ السَّلَامَةَ لِمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِكَ"[5].
اللهم احشرنا مع من أحببنا فيك في زمرة المتقين،واجعلنا من الأخِلَّاء الصالحين، ومن عبادك المؤمنين،وثبِّتْنا على الطاعة ليوم الدين، اللهملا تجعلنا ممن يقول: يا ليتني لم أتخذ فلانًاخليلًا، اللهمواجعلنا من أوليائك الذين لا خوف عليهمولا هم يحزنون، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.