في مرايا الظلّ
ثمة قلبٌ يذوب في الغياب
مدينةٌ تطفئ أعمدة إنارتها
واحدًا تلو الآخر..
ثقبٌ يتسرّب منه الوقتُ
خفقةً ..خفقة
وجرحٌ يعرف كيف يُزهرُ في الصمت
مثل ظلٍّ لا يزول..
يا من يسكن المسافةَ بين قلبي ونبضي،
يا وجعاً من ندىً،
ومن صدى الضوء صِيغَ
گ حلمٍ يتأخّر دائمًا عن اللقاء.
كلّ مساءٍ،
أمدّ كفّي إلى ظلّك الممدود على جدار الغيم،
ألمس أطرافه بخوفِ القابع في زنزانة العتم..
كأنّي أستعير منك وجودي.
كيف أصفك؟
أنتَ الضوءُ حين يخافُ،
وأنا الظلُّ حين يحنُّ إلى منفى الجسد.
منذ ارتجاف النورِ على حوافّ النسيان
نبت لـِ جسدي وجهان
وجهٌ يسيرُ في النهار يتّشحُ البسمةَ قناعًا،
وآخرُ يختبئ في الليل،
يرتجفُ من حنينٍ لا اسم له.
يا أكثرَ الغائبين حضورًا في دمي،
وريثُ ظلّي،
وآخرُ من علّمني كيف يصدأ النورُ حين
يطولُ الانتظار.
كلّما حاولتُ أن أنام،
تخرج من أحلامي يدٌ تشبهكَ،
تفتح صدري وتعيدُ ترتيبَ الغيابِ داخله.
ويحُ قلبي…
كيف تعلّق ظلّا يحترفُ الغياب..
يهوى الظلام
كما تهوى الوردةُ مطرًا يغرقها،
وكما تهوى الريحُ نافذةً في منتصف النداء تُغلقها.
يا ظلّي الذي يُصلّي في مآذن القلب،
خذني إليك كما تأخذُ الموجةُ زبَدها،
بلّل قلبي من عينيك،
واسقِ عطشي من ضوءٍ كنتَ تُخفيه في صوتك.
أيها الوجعُ الجليلُ..
لقد سئمتُ من ملامحَ لا تُخفيك،
ومن جسدٍ لا يتّسع لذكراك،
ومن ليلٍ كلّما أغمضتُ فيه جفني،
فتحَ بابًا جديدًا لـِ الأحلام.
ويح قلبي
كيفَ يُصلَبُ في محرابِ الظلالِ،
وأنا سليلةُ نارٍ تأبى الانطفاء!
كيف يُرهبُهُ الظلامُ
وهو وليدُ الضياءِ..!
يا قناديلَ السّماءِ..
كيف يفتنُني ضياءُ مَنْ خُلِق من غسق الخيال،
وأنا المولودةُ من شهقةِ لهبٍ لا يُروِّضه السكون؟
أسافرُ في مداراتِ الصّمتِ
أغلقُ الأبوابَ المُشْرعةَ على المسافاتِ
وهناك..
رأيتهُ.. فانتفض في دمي جنونٌ لا يليق بالعابرين
من عالم الظل،
وها أنا أتهجَّى اسمه گ تعويذةٍ من نَجاةٍ،
وأتبتَّلُ في مراياهُ كما يتبتَّلُ الزاهد في محراب الغيب.
أنا النّورُ الذي تاه شُعاعَهُ في حضرة ظلٍّ لا يسمع النداء،
لا يدري أنَّ بين صَهيلِ خَيالاتِه من يُقسم بذاكرةِ اللعنات.
ووحدي أسير ..
أتلو وجهه في خلواتي،
وأخفي صورةً علّقتها على مشجب آمالي
تقول:
يا ليتني ما عرفت الظلالَ...
يا ليتني بقيت وحيدًا في جحيمي ؛
قبل أن تُفتح في قلبي نوافذ الضوء،
وتُغرس في لهبي وردًا لا يذبل.
ويحُ الظلالِ
لا تراني ؛
ولو أبصرتني
لانشقت الأرض من هول ما يُختبأ في النور من ضياء.
ولَـ بكت النجومُ دهشةً من حلمٍ يتقمّصُ الظلالِ .
أنا
يا أنت
ذاكرةٌ تمشي على أطرافِ الحنينِ،
أحملُ ظلّكَ في حقائبِ روحي،
وأعلّقهُ عند كلّ غروبٍ
گ تميمةٍ ضدّ الفقدِ.
فإن تُهتَ منّي،
اتبعْ صدى صوتي…
ستجدني هناك،
أهدهدُ الظلّ الذي تركتَه على حافّةِ الليلِ،
وأُناديكَ :
تبّتْ يدُ الظلامِ.